الشيخ محمد الصادقي الطهراني

108

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به نبات كلِّ شيءٍ فأخرجنا منه خَضِراً نُخرج منه حبّاً متراكباً ومن النخل من طَلعها قِنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه أنظروا إلى ثمرة إذا أثمروا وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون » « 1 » حيث الأمر بالنظر يعم النظر المعرفي والمصرفي إيتاءً لحقه يوم حصاده دون إسراف سلبياً أو إيجابياً . فقد يتقدم النظر المعرفي إلى ثمره إذا أثمر وينعه ، على النظر المصرفي إذناً في الأكل منه : « كلوا من ثمره إذا أثمر » وأمراً بإيتاء حقه يوم حصاده : « وآتوا حقه يوم حصاده » فهما متشابهتان تفسر بعضهما بعضاً و ( « إنَّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون » . « وهو » لا سواه « الذي أنشأ » تكويناً بديعاً « جناتٍ » البساتين تجن شجراتها حيث تلتف مِن فوق الأرض في فضائها « معروشات » عَرَشها إنسانها كالأعناب ، أم ربها كالناباتات الملتفَّة بالأشجار ، المجتنَّة مع بعضها البعض من فوقها « وغير معروشات » كسائر الأعناب غير المعروشة وسائر الأشجار دون عروش لها إنسانية ولا ربانية . ومن غير المعروشات وهي المستقلة في قيامها « والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً » كلٌّ في أثمارها ، في طعومها واشكالها وألوانها وسائر أقدارها ، وغير متشابه في هذه بعضها أو كلها . « كلوا من ثمره إذا أثمر » : من ثمر المُنشإِ بأمر اللَّه ، أو من ثمر ما ذكر دون اختصاص بالأخير وهو الرمان ، إذ لا اختصاص له بسماح الأكل وإيتاء الحق ، وحتى لو اختص بالأخير لكفى تدليلًا على واجب الزكاة في الرمان نقضاً لاختصاصها بالغلات الأربع . والأمر بأكله إذا أثمر سماحٌ له حيث الموقف موقف الحظر ، لأن المنشىء لها هو اللَّه : « هو الذي أنشأ » فهو المالك لها فلا يجوز الأكل منها إلَّا بإذنه ، ثم « وآتوا حقه » دليل أن الفقراء هم شركاءهم فيه ، فهذا محظور ثان للأكل منه قبل إيتاء حقه . ولكنه تعالى رحمة منه ، وتقديماً لصاحبه على غيره في الأكل منه ، يأمرنا سماحاً « كلوا من ثمره إذا أثمر » تلحيقاً له بإيتاء حقه : « وآتوا حقه يوم حصاده » وهو الزكاة المفروضة « ولا تسرفوا » في الأكل من ثمره تجاوزاً عن حق الأكل : العدل المعتدل ، إسرافاً في قدره فوق الحاجة ، أم إسرافاً في صرفه وإنْ قليلًا في المعصية ، أم إسرافاً في إشراك الأصنام في الحرث

--> ( 1 ) . 6 : 99